ابن الجوزي

358

صفة الصفوة

شيخ عظيم الخلق يصلي نحو الكعبة وعليه جبّة صوف فيها طراوة ، فلم أتعجب من عظم خلقه كتعجبي من طراوة جبته ، فسلمت عليه فرد عليّ السلام وقال : يا سهل إن الأبدان لا تخلق الثياب وإنما تخلقها روائح الذنوب ومطاعم السحت ، وإن هذه الجبة علي منذ سبعمائة سنة بها لقيت عيسى بن مريم ومحمدا صلّى اللّه عليه وسلم فآمنت به . فقلت له : من أنت ؟ قال : أنا الذي نزلت فيّ قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ [ سورة الجن آية 1 ] . سلمة بن شبيب قال : عزمت على النّقلة إلى مكة فبعت داري ، فلما فرّغتها وسلمتها وقفت على بابها فقلت : يا أهل الدار جاورناكم فأحسنتم جوارنا جزاكم اللّه خيرا ، وقد بعنا الدار ونحن على النّقلة إلى مكة فعليكم السلام ورحمة اللّه . قال : فأجابني من الدار مجيب فقال : وأنتم جزاكم اللّه خيرا ما رأينا منكم إلا خيرا ونحن على النقلة أيضا ، فإن الذي اشترى الدار رافضيّ يشتم أبا بكر وعمر رضي اللّه عنهما . سريّ بن إسماعيل يذكر عن يزيد الرّقاشي أن صفوان بن محرز المازني كان إذا قام إلى تهجّده من الليل قام معه سكان داره من الجنّ ، فصلوا بصلاته واستمعوا لقراءته . قال السرّي فقلت ليزيد : وأنّى علم ؟ قال : كان إذا قام سمع لهم ضجة فاستوحش لذلك فنودي : لا ترع أبا عبد اللّه فإنما نحن إخوانك نقوم للتهجّد كما تقوم فنصلي بصلاتك ، قال : فكأنه أنس بعد ذلك إلى حركتهم . يحيى بن عبد الرحمن العصري قال : حدثتني امرأة خليد عن خليد قال : كنت قائما أصلّي فقرأت هذه الآية كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ [ سورة آل عمران الآية 185 ، وسورة الأنبياء آية 35 ، وسورة العنكبوت آية 57 ] فردّدتها مرارا ، فناداني مناد من ناحية البيت : كم تردّد هذه الآية ؟ فلقد قتلت بها أربعة نفر من الجن لم يرفعوا رؤوسهم إلى السماء حتى ماتوا من تردادك هذه الآية . قالت : فوله « 1 » خليد بعد ذلك ولها شديدا . وأنكرناه حتى كأنه ليس الذي كان . مهدي بن ميمون قال : كان واصل مولى أبي عيينة جارا لي ، وكان يسكن في

--> ( 1 ) الوله : ذهاب العقل والتحير من شدة الوجد .